علي الهجويري

210

كشف المحجوب

الفرق بين الحال والمقام أعلم أن هذين التعبيرين مستفيضان بين شيوخ الصوفية ، وجاريان على ألسنتهم ، متداولان في العلوم . ومن اللازم على المريد أن يكون على علم بهما ، ولذلك لزمني أن أبين هذه المسألة ، ولو أنه لا صلة لها بهذا الفصل ، فأقول : المقام برفع الميم الإقامة ؛ وبنصب الميم محل الإقامة ، وفي العربية مقام الإقامة ، ومكان الإقامة . والمقام هو القيام ؛ مكان إقامة العبد في الطريق للّه ، وأدائه للواجبات ، التي يستدعيها هذا المقام ، والمحافظة عليها حتى يبلغ الكمال الممكن للإنسان . وليس من الجائز أن يتعدى الإنسان مقامه بدون أن يؤدى فرائضه . فأول مقام هو التوبة ، وبعدها الإنابة ، وبعدها الزهد ، وبعده التوكل ، وهلم جرّا . وليس من الجائز أن يدعى الإنسان مقام الأنانية بدون التوبة ، أو الزهد بدون أن يكون له قدرة على الإنابة ، أو التوكل بدون الزهد . وقد قال اللّه تعالى : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ « 1 » . والحال هو ما يصل من اللّه تعالى إلى قلب الإنسان ، بدون أن يكون له قدرة على رده إذا حضر ، أو استحضاره إذا غاب بحوله وقوته ، لذلك كانت عبارة المقام تدلك على طريق السالك ، وتقدمه في طريق الحق ، ومقامه أمام اللّه سبحانه وتعالى ، بالنسبة لكرمه سبحانه . والحال يعرفك مقدار الكرامة والنعمة ، التي يتفضل بها اللّه تعالى على قلب عبده ، التي لا اتصال لها بأي مجاهدة من العبد . المقام من نوع الأعمال ، والحال من نوع العطاء ، لذلك كان صاحب المقام واقفا أمام مجاهدة نفسه ، وأما صاحب الحال فهو فان في نفسه ، واقف بالحالة التي يكرمه اللّه تعالى بها ، وقد اختلف الشيوخ في هذا الموضوع

--> ( 1 ) سورة الصافات : آية 164 .